عرض الدكتور محمد غزالة بمكناس : “90 عاما من الرسوم المتحركة العربية”

عرض الدكتور محمد غزالة بمكناس : “90 عاما من الرسوم المتحركة العربية”

شهدت مدينة مكناس خلال الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان مكناس الدولي لسينما التحريك لحظة ثقافية فارقة، مع تنظيم ندوة بعنوان “90 عاماً من الرسوم المتحركة العربية”، قدمها د. محمد غزالة، نائب رئيس ASIFA، بحضور نخبة من الفنانين والباحثين وصناع التحريك من العالم العربي وخارجه. الندوة لم تكن مجرد استعراض تاريخي لمسار فني طويل، بل محاولة جادة لإعادة قراءة ذاكرة كاملة من الإبداع العربي الذي ظل لعقود مهمشاً أو غير موثق بالشكل الكافي.

تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تطرح سؤالاً أعمق من مجرد “متى بدأ التحريك العربي؟”، وهو: لماذا بقي هذا التاريخ مجهولاً نسبياً رغم امتداده لما يقارب قرناً كاملاً؟ ففي الوعي العام، غالباً ما تُختزل الرسوم المتحركة العربية في أعمال تلفزيونية حديثة أو في دبلجات قنوات الأطفال، بينما تعود البدايات الفعلية إلى ثلاثينيات القرن الماضي، مع تجارب مصرية رائدة مثل أعمال الأخوين فرانكل وشخصية “مشمش أفندي”، التي تعد واحدة من أولى الشخصيات الكرتونية العربية في السينما.

لكن ما يجعل تجربة التحريك العربي مثيرة للاهتمام ليس فقط قِدمها، بل طبيعة الظروف التي نشأت فيها. فالرسوم المتحركة في العالم العربي لم تتطور داخل صناعة مستقرة وممولة كما حدث في الولايات المتحدة أو اليابان، بل نشأت غالباً في بيئات تعاني من ضعف البنية الإنتاجية، وغياب الأرشفة، وتذبذب الدعم الثقافي. ومع ذلك، استطاع الفنانون العرب عبر عقود متتالية خلق هوية بصرية خاصة، تمزج بين الحكاية الشعبية، والفنون التقليدية، والهموم الاجتماعية والسياسية المحلية.

وقد استعرضت الندوة هذا الامتداد الجغرافي الواسع لفن التحريك العربي، من مصر إلى سوريا ولبنان والعراق وتونس والجزائر والمغرب، وصولاً إلى تجارب خليجية معاصرة بدأت تفرض حضورها تدريجياً. هذا التنوع يكشف أن التحريك العربي لم يكن تياراً واحداً، بل مجموعة مدارس وتجارب مختلفة، تأثرت كل منها بسياقها الثقافي والسياسي والإنتاجي. ففي بعض البلدان ارتبط التحريك بالتلفزيون التعليمي، وفي أخرى ارتبط بالتجريب الفني أو السينما المستقلة، بينما ظهر أحياناً كأداة للتعبير السياسي أو النقد الاجتماعي.

كما تناول العرض التحولات التقنية الكبرى التي مر بها هذا الفن، بدءاً من الرسم اليدوي التقليدي وتقنيات السيلولويد، مروراً بالإنتاج التلفزيوني، ووصولاً إلى الرسوم الرقمية وتقنيات الثلاثي الأبعاد. هذه التحولات لم تكن تقنية فقط، بل غيرت طبيعة الإنتاج نفسه. ففي الماضي، كان إنتاج فيلم تحريك يتطلب استوديوهات ضخمة وتمويلاً معقداً، أما اليوم فأصبح بإمكان فنان مستقل، باستخدام حاسوب وبرمجيات متاحة، أن ينتج فيلماً قادراً على المنافسة عالمياً.

غير أن هذا التطور التقني يطرح تحدياً آخر، وهو خطر فقدان الذاكرة القديمة للتحريك العربي. كثير من الأفلام المبكرة تعرضت للتلف أو الضياع، وبعضها لا توجد له نسخ رقمية محفوظة حتى الآن. لذلك جاءت الدعوة في ختام الندوة للتأكيد على أهمية إنشاء أرشيف عربي متخصص للرسوم المتحركة، لا يكتفي بحفظ الأفلام فقط، بل يوثق أيضاً الرسومات الأصلية، والسيناريوهات، والشهادات الشفوية لصناع هذا الفن.

ومن اللافت أيضاً أن الدورة الحالية من المهرجان اختارت تكريم أسماء ومؤسسات تركت أثراً عميقاً في ذاكرة الأجيال العربية، مثل تكريم فايز الصباغ، مؤسس Spacetoon، الذي لعب دوراً محورياً في تشكيل علاقة جيل كامل بالرسوم المتحركة، ليس فقط عبر عرض الأعمال العالمية، بل أيضاً عبر ترسيخ ثقافة الدبلجة العربية وتقديم محتوى قريب من الحساسية الثقافية المحلية.

إن ما حدث في مكناس يتجاوز كونه فعالية احتفالية داخل مهرجان سينمائي، لأنه يعكس تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى فن التحريك العربي، من كونه مجرد ترفيه للأطفال إلى اعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية العربية الحديثة. فالرسوم المتحركة ليست فناً هامشياً، بل مرآة للتحولات الاجتماعية، وأداة تربوية وثقافية، وصناعة إبداعية تمتلك إمكانات اقتصادية ورمزية هائلة.

وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه الندوة في أنها فتحت الباب أمام سؤال المستقبل، لا الماضي فقط: هل يستطيع العالم العربي أخيراً أن يحول تراكمه الفني الطويل في التحريك إلى صناعة متكاملة قادرة على المنافسة عالمياً؟ الإجابة لا تتوقف على الموهبة، لأنها موجودة بالفعل، بل على بناء مؤسسات تعليمية وإنتاجية وأرشيفية تحمي هذا الإرث وتدفعه نحو أفق جديد.

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *