يوم ميلادي المتجدد

يوم ميلادي المتجدد

أضحى يوم خريفي خططت للتمرد على سجن الرحم، لم أكن أعي جيدا نعمة انتظار وجبة غداء دون تعب ودون بحث، لم أثمن معنى أن تنعم بسقف وسرير ناعم، أن تسبح دون اختناق، أن لا تشعر بتقلبات الجو والحرارة، أن لاترهق دماغك بالتفكير في الغد، لم أكن أعرف أن للقلب مهمتان ضخ الدم وجلب الهم.
دون وعي بما ينتظرني أطلقت صرختي الأولى التي لا أتذكرها، صباح خميس من العاشر في أكتوبر الخريفي وكأني أحاكي أوراق الأشجار التي أرادت أن تحلق، لكن اكتشاف نيوطن كان يفتح لها ذراعيه ليسلمها للتراب وتبقى عرضة لدهس الأرجل، تارة بالأحذية وكثيرا بأرجل الحفاة، منذ ذاك الصباح وأنا أرتكب الحياة بابتسامة.
أرتكب الحياة بابتسامة
كلما سألني ذاك المارد
المختبئ وراء السرد:
من أين أتيت؟
كيف أيقظته من سبات
دام طوله مسافة كل المعلقات؟
أرمي سؤاله كل مرة في ثقب
منسي وراء جمجمتي….
وأتابع الصعود بانتشاء
فوق سحب تمر كل مساء
في سماء ذاكرتي
تتراقص فوقها أوراق بكل الألوان،
تحمل قصائد مبثورة الأبيات،
كتبت بكل اللغات،
حتى اللغات الغير الموجودة.
ذات تحليق……
همست لي قصيدة شمطاء :
أنت ولدت من تزاوج بين
حرف متسكع
ورحم جملة حدباء…..
سقطت سهوا قبل الميلاد
وفي فمك حبر متحجر
كأوراق تحرشت
بها رياح الخريف،
أغوتها بالطيران،
لكنها ألقتها فوق تراب العدم،
كسيرة باحث عن العمل
انتهت في دكان عطار.
كان ميلادي انتقاما…
انتقاما للذكورة
بعد اربع بنات.
قدمت القرابين
شكرا لميلادي،
وبارك الكهنة والقساوسة والفقهاء
مقدمي…..
لكنني لم أصبح إلها،
ولم أضح نبيا ،
لم اعتكف في محراب،
لم أكن طاهرا
كما أدعي……
صرت إنسانا…..
أقترف إثم الحب،
أعاكس التقية بالضحك،
أعلن العصيان بالعيش
كما يحلو لي
أرتكب جرائم الابتسامات،
وأتذكر يوم ميلادي
دون عد السنين.
فأنا اليوم في السطر الثالث
بعد الستين،
لكنني لاأزال أتهجى
السطر الثلاثين،
وأعيش بين أحرفه.
سواء كنت
في الأوراق الأخيرة
أو الأولى،
فأنا كل يوم أعيشه
اتغنى بثرواتي الثلاث:
قصيدتين بهيتين،
ونص باذخ،
انسابوا عسلا رقراقا
من معلقة بليغة المعاني.
وأعبث بكل أوراقي
وأعانقني، مبتسما لي،
لأوشوش في أذني:
كل يوم وأنت العيد،
كل عيد هو يومك،
وكل يوم هو ميلادك المتجدد.

الشاعر والفنان التشكيلي
عمر مرحام الجموحي

marocculturel

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *